التاريخ : 2018-11-28

وهل ننسى وصفي لنتذكره؟؟!!

وهل ننسى وصفي لنتذكره؟؟!!
راتب عبابنة
الحديث عن الشهيد وصفي التل ليس كالحديث عن رؤساء الحكومات الذين مروا على الأردن قبله وبعده. ربما كان الأول والأخير بينهم يمارس الولاية العامة بمفهومها ومعناها الحقيقيين. وهي بالحقيقة لازمة من لوازم رئاسة الحكومة آمن بها الحسين طيب الله ثراه مثلما آمن بها المرحوم وصفي وقد تسلم مهامه بظروف غاية بالحساسية. وقد كان الوضع الداخلي والمحيط الإقليمي العربي يستدعيان من هو بمواصفات وصفي وشجاعته وبعد نظره بانيا قراراته ومتخذا خطواته بمقدار ما كان يعشق وطنه ويحمي وطنه وشعبه ومليكه من أي أذى يمكن أن يطالهم جراء ما كان يخطط له من مراكز قوى قُدّر لها التواجد على الأرض الأردنية.
وقد كان ذلك ومازال بالنسبة للأردن نهج عنوانه أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وأن الشعبين الأردني والفلسطيني مسميان لشعب واحد. لكن من تغذوا وشربوا من منابع التقدميين ورمزهم عبدالناصر ومن الشيوعيين لم يرق لهم مجرد ذكر الملكية أينما وجدت بالعالم العربي، إذ لم يكن الملك حسين وعبدالناصر على وفاق دائم ما أعطى الأخير هامشا من محاولة النيل من الحسين من خلال الفصائل المتعددة التي حاولت مرات عدة اغتيال الحسين.
عند الحديث عن وصفي لا يمكنك تتجاوز مرحلة الصدام بين الجيش العربي والفصائل الفدائية وقد عبثت تلك الفصائل بالأمن وأخرجت نفسها من العقد الأخلاقي الذي دخلت على أساسه الأردن وأنها فصائل مقاومة لتحرير الأرض المحتلة وأن الطريق للقدس لا يمر بقصر بسمان. فكان للملك ووصفي أن يجيبا على التساؤل الشهير لشكسبير على لسان هاملت "نكون أو لا نكون، ذلك هو السؤال".
لنا نحن الشعب الأردني عبر ودروس بنهج وصفي وشخصيته وأسلوب إدارته ونزاهته ووطنيته وهي شمائل وغيرها الكثير قد اجتمعت برجل دولة ضرب المثل بالإخلاص لوطنه ومليكه والتفاني بخدمة مواطنيه وقضيته المركزية، إذ كان قد أعد خطة لتحرير فلسطين ينوي عرضها على مؤتمر وزراء الدفاع العرب المنعقد بالقاهرة، لكن يد الحقد والغدر لم تمهله وكانت نهايته على يد من كان يخطط لتحرير أرضهم.
نتذكر وصفي ويعتصرنا الألم عندما نستعرض الرؤساء ونشرّح سياساتهم وتبعاتها ونرى إلى أين أوصلونا. تخيلوا لو أحد هؤلاء الرؤساء زار سجنا كيف سيكون استقباله من السجناء؟؟ بينما عندما زار وصفي السجن حملوه على الأكتاف وهتفوا بالدعاء له لأنهم أحبوا فيه الرجل وقدروا فيه الإنسان واحترموا فيه وطنيته. أحرق وصفي ملفات المخابرات التي تعود لمواطنين مطلوبين ليفتح لهم صفحة جديدة بيضاء. من يجرؤ على اتخاذ هذه الخطوات؟؟
على المستوى العربي، كان وصفي صاحب مشروع قومي تحرري _ رغم معرفتنا أن هذا الوصف لا يروق لمن نظرهم لا يتعدى نهاية فوهة سلاحهم_ وعلى المستوى المحلي، لم يتيسر للأردن أن يرأس حكوماته من هو ببعض مواصفات وصفي إلا هزاع المجالي وعبدالحميد شرف رحمهم الله جميعا. علاقته بالوطن تجاوزت الحب فبلغت العشق وحرصه على المواطن بلغ درجة حب الوالد لأبنائه. نزاهته وأمانته جعلتا منه رئيس حكومة مدان للبنوك، بينما الوزراء، اليوم، ومن أدنى منهم بسلم الوظيفة يغادروا ولديهم الملايين. كان يؤمن بضرورة أن تأكل من إنتاج أرضك. كان يحب الفلاحة ويمارسها بحديقة منزله ولا يقبل أن يأتي بجنود للعناية بحديقته كما يعمل رؤساء ووزراء وقادة عسكريين اليوم.
وكلما استعرضنا أداء أصحاب الدولة والمعالي، يتضح لنا كم كان وصفي عظيما وكم خسر الأردن بفقدانه. لذلك، حق علينا أن نبكيه ونترحم عليه باستمرار ونلعن الأيدي النجسة المأجورة التي كانت لا ترى إلا القتل وإراقة الدم سبيلا لما ظنوا أنه يحقق لهم أهدافهم.
ووصفي آيقونة وطنية ومثالا لرجل الدولة وقدوة للتصحيح من خلال ولايته العامة التي مارسها بكل تفاصيلها. كيف لا وهو نجل شاعر الأردن عرار الذي عارض ونقد السياسات التي رآها لا تخدم الوطن وسجن بسبب وطنيته ونظرته الإصلاحية. ووصفي نهل من ذاك المعين حتى الثمالة، لكنه لم يكن يوما معارضا بقدر ما أعطته البيئة "العرارية" حبا للوطن وجعلته صاحب رؤيا تصحيحية قائمة على دوافع الغيرة والحرص لرفعة الوطن وخدمة المواطن بالمعنى الحرفي للكلمة.
لقد وازن رحمه الله بين إخلاصه للنظام، ومن مثل الحسين لا تملك إلا أن تخلص له، وبين من حاولوا الإساءة للنظام لشمولية نظرته ورؤيته بوجود هدف على الجميع السعي لتحقيقه من خلال التشاركية وتجاوز الضغائن. وحقيقة ما برز بعد الصدام كانت تغذيه الماكينة الإعلامية الناصرية الوحيدة بالعالم العربي بالإضافة للإعلام الحزبي الشيوعي والبعثي والقومي. ولا نذيع سرا عند القول أن الحساسية والتحسس بين فئتي الشعب بدأتا بالتشكل على ضوء تلك الأحداث في عام 1970 وقد غذتها جهات داخلية ما خلق ضرورة خروج عبارة "من شتى المنابت والأصول". هذا هو الواقع شئنا أم أبينا ومن يحاول طمس الحقائق فهو يقفز عن تاريخ عشناه رغم أن حدته قد انخفضت كثيرا بالتقادم وتغير الظروف والوجوه.
كما أن العالم أصبح أحادي القطب بعد انهيار الإتحاد السوفييتي الداعم الأكبر لفصائل المقاومة ما فرض واقعا جديدا أذاب فكرة الكفاح المسلح للدخول بالعمل السياسي كبديل ترضاه الدول الشريكة بالقرارارات الدولية. لكن وصفي كان يعمل بروح المقاوم وبقناعة أن القضية عربية وعلى الجميع المشاركة كل حسب مشروع وخطة محكمة توزع الأدوار على الدول العربية كل حسب موقعه وإمكانياته.
وماتت الخطة بموت صاحبها تاركة للفوضى أن تسود في لبنان بعد انتقال الفصائل الفلسطينية لتقوم الحرب الأهلية هناك حيث كانت هذه الفصائل طرفا رئيسا قبل انتقالها لتونس ومن ثم الدخول بمفاوضات سرية مع دولة الإحتلال أنتجت اتفاقية أوسلو.
رب قائل إلى متى نبقى نتذكر وصفي وقد استشهد؟؟ نقول وصفي يفرض نفسه على المشهد وبشكل مستمر والأشياء تعرف بنقيضها. فعند استعراض نهج وصفي ونهج الحكومات اللاحقة لا تجد شبها بينهما من حيث الغيرة على الوطن والحرص على مصالحه ومقدراته. يروى عنه رحمه الله أن جاءه مواطن وسلمه استرحاما يقول به لقد سجنوا ابني لأنه شتمك. فأخذ الإسترحام من يد الرجل وكتب على خلف الورقة مخاطبا مدير السجن ما يلي : "يلعن أبو وصفي اللي بتسجنوا الناس عشانه" وأعطى الرجل الإسترحام وقال اذهب إلى السجن وفعلا حصل وأن أخرج ابنه.
إنسانيته كانت تسبق قراراته وافعاله فجعلت منه إنسانا فذا يجمع بين الإنسانية والولاية العامة وهو ما عجز عنه من جاءوا بعده. أحب الناس فأحبته الناس وعشق الوطن فقدسه الوطن/الشعب وأحب الفلاحة والزراعة فأعطته ولم تبخل عليه ونذر نفسه لوطنه وقضيته فلم يرزقه الله بالذرية.
رحم الله وصفي وأسكنه الفردوس ورزقنا بخلف له.
ababneh1958@yahoo.com
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق